أحمد بن يحيى العمري
392
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وكانت المغول لا تقدر على صعود تلك الجبال ، ولا تعرف الحصار ومطاولة المعاقل والقلاع ، فغلب طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك ولولا قوة شوكة التتار ، وسطوتها التي عمت الأقطار ، لاستولت على السهول مع الجبال ، وأخذت بجنباتها من كل مكان . مع أنها ملكت معظم البلاد إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها وأمسكت آخر رمقها ، ودارت إذ ذاك طوائف الأتراك ، ملوك المغل على ما غلبت عليه وبقي كل منهم يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليه ، ولا يخرج بشيء من يديه ، واستمرت أحوالهم معهم على الطاعة والعصيان ، والتذكار والنسيان . حتى تهادت المدد ، وخر رواق الدولة المغولية ، أو وهي منه بعض العمد ، فحينئذ ثبتت أقدامهم ، ونبتت في مفارس الاستمرار أيامهم ، ومنذ غلبوا على ما بأيديهم من الروم لصاحب كرمينان عليهم مزيد الفضل كما ذكرنا . وكل واحد من هؤلاء الأتراك مستقل بمكانة مشتغل بشأنه وتبسطوا في جهاد من جاورهم من الكفار ، وصار هذا دينهم ، وبقي بينهم من التنافس ما يكون بين النظراء ، ولهذا كاتبوا عظماء الملوك ليتقوا بمظاهرتهم ويطيروا بريح ( المخطوط ص 181 ) سعادتهم وأكثرهم كاتبوا سلاطيننا ملوك مصر رحم الله من مضى منهم ، وحفظ من بقي وأدام حياة سلطاننا مالك ملوك الأرض ، صاحب الدولة الملكية الناصرية ، وخلد سلطانه خلود الليالي والأيام ، ولا ذوا بهذه الأبواب العزيزة ، وتطيعوا بالميل إلى هذه الدولة القاهرة حتى صارت المولاة في طباعهم كالغريزة ، فاتخذوا ملوك مصر ، نصرهم الله ، لهم ظهرا ، وعدوهم للحوادث ذخرا ، حتى أن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه ، فكتب إليه وجهز بالصناجق والألوية ، والأعلام والتشاريف التمام ، والسيف المحلي والحصان المركوب والسرج الذهب ، والعدة الكاملة والجنائب الطائلة ، وما منهم إلا من تدخل وترامي ، وانشرح مراما والأنعامات تغمرهم ، والصدقات الشاملة تعمهم ، وهم إلى يومنا هذا